اسلاميات

بماذا أهلك الله قوم صالح

قوم ثمود

قوم ثمود هم قوم من العرب العاربة، كانوا يسكنون منطقةً تُسمّى الحِجر، تقع بين الحجاز وتبوك، وقد مرّ الرسول صلى لله عليه وسلم مع المسلمين من مكانهم ذاك أثناء ذهابهم إلى تبوك. سُمِّي قوم ثمود بهذا الاسم نسبةً إلى جدهم ثمود أخي جديس، وقد كان زمانهم بعد قوم عاد؛ أي قوم هود عليه السلام، وكانوا على شاكلتهم من الكفر بالله وعبادة الأصنام، فأرسل الله تعالى إليهم رسولاً منهم؛ هو صالح بن عبد بن ماسخ بن عبيد بن حاجر بن ثمود، فأخذ يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بترك عبادة الأصنام، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم، وأخذ الذين كفروا بما جاء به ينالون منه مرّةً بالأقوال ومرّةً بالأفعال، وظلّوا يُؤذونه حتى همّوا بقتله بعد أن قتلوا الناقة التي جاءهم بها معجزةً وبيِّنةً من الله تعالى على صدق نبوته ودعوته، فأخذهم الله حينها بكفرهم أخذ عزيز مُقتدر، جزاءً لكُفرهم وعِنادهم ومخالفتهم أوامر الله تبارك وتعالى ورسوله الكريم.

هلاك قوم ثمود
تآمَر الرهط المفسدون في الأرض على صالح؛ للتخلص منه:
﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [النمل: 48، 49]، فما الخطة التي بيَّتها هؤلاء المجرمون للنيل من نبي الله صالح؟ لقد صمَّم هؤلاء المفسدون في الأرض على قتل الناقة أولًا، ثم الهجوم على بيت صالح بعدها للتخلص منه ومن أهله جميعًا، وذلك في مؤامرة سرية لا يعلم بها إلا هؤلاء الرهط؛ لأنهم أقسموا فيما بينهم أن يُبقوا هذا الأمر سرًّا، وقد بيتوا الشر، وحددوا له ساعةً متأخرة من الليل يتسورون فيها منزله، ثم يُعملون في صالح وأهله السيف، فلا يُبقون على أحد منهم؛ كيلا يكون شاهدًا على فعلتهم النكراء، فيضيع بذلك غريمه، ويتفرق بين هؤلاء دمه، وإذا شك أحد من عشيرة صالح بهم؛ لأنهم هم المعاندون له والرافضون لدعوته يقولون مع القسم والأيمان الكاذبة: ﴿ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ [النمل: 49]، وهذا شبيه بما حاكه أبو جهل وأشياعه عندما قرروا قتل النبي صلى اله عليه وسلم في بيته، والفارق أن مجرمي قريش لن ينكروا قتله، وإنما سيعترفون بذلك؛ لأنهم اختاروا من كل قبيلة رجلًا يشارك في هذه الجريمة فيتفرق دمه بين القبائل، فلا تستطيع عشيرته الثأر منهم، ويرضَون بالديَة، أما هؤلاء فيريدون هدر دمه مع إصرارهم على إنكار ما فعلوا؛ أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ [النمل: 48]، قال: هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نُبيِّت صالحًا وأهله، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا مِن هذا شيئًا، وما لنا به من علم، وفي هذا الخبر أن إقدامهم على قتل الناقة سابق قتل صالح، فجعلوه هو التالي، فلا يمكنهم قتل الناقة إلا نهارًا؛ لأنها تبيت في فج لا يمكنهم دخوله، وكان الأسهل عليهم قتلها وهي تشرب الماء مدلية برأسها في البئر، ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 50]، فبيَّتوا هذا الغدر، والله رقيب عليهم، يعلم مكرهم، فبيَّت الله لهم مكرًا أشد من مكرهم، وهو الإيذان بتدميرهم، وحماية صالح من شرهم؛ ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النمل: 51]، والفاء في: ﴿ فَانْظُرْ ﴾ للتعقيب وبيان عدم إمهالهم بعد قتل الناقة فلم يستطيعوا تنفيذ بقية خطتهم، وهي الغدر بصالح وأهله، ولكن لماذا دمرهم الله تعالى وقومهم أجمعين، وهؤلاء الرهط هم المجرمون دون غيرهم؟

ورد أن “قدار زعيم المجرمين وقاتل الناقة لم يقدم على قتلها حتى أجازه كل رجل وكل امرأة وكل طفل، وروي عن قتادة أن عاقر الناقة (قدار) قال: لا أقتلها حتى ترضَوا، كبيركم وصغيركم، فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون لها: أترضين؟ فتقول: نعم، والصبي، حتى رضوا أجمعون”، وهذا يعني أن قوم صالح استحقوا العذاب هم والرهط الذي تآمر، وقدار الذي باشر القتل: ﴿ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ﴾ [القمر: 29]؛ أي: أعد أسباب قتل الناقة، فكمن لها، فرماها بسهم في ساقها، ثم أقدم فضرب بالسيف عراقيبها؛ أي: ما فوق الخف، فهوت على الأرض، فعاجَلها ونحرها، ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: 65]، وهنا ذكر عقر الناقة بالجمع والفاعل المباشر واحد، وهذا دليل اشتراك الجميع في القصد والتواطؤ على نحرها، فلماذا أوعدهم ربهم أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام؟ وهل عنى بالتمتع الإقامة الطيبة؟ كلا؛ فهم لا يستحقونها، وإنما هذا من باب التبكيت والوعيد، كمن يقول لهم: ودعوا داركم فلن تبقوا فيها، وهم يستحقون صب العذاب عليهم من ساعتهم! لكن في هذا الإمهال مزيد عذاب، لقد قهرهم العذاب في الأيام الثلاثة، فذاقوا خلالها الويل، ولو كان مباغتًا لربما كان أسهل عليهم، ففي اليوم الأول انقلبت ألوانهم إلى الصفرة مع ألم وإرهاق، وفي اليوم الثاني اشتدت المعاناة، وانقلب اللون إلى حمرة الدم، وفي اليوم الثالث تغيرت ألوانهم إلى السواد الحالك، ثم أخذتهم الصيحة كأشد ما يكون الصوت، فصعقوا في أماكنهم وعلى هيئات أوضاعهم، ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ﴾ [القمر: 31]، والمحتظر: الزرع الذي تسور به الحظيرة، يجف مع الأيام، ثم يُضْحي هشيمًا، وفي سورة الأعراف: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ [الأعراف: 78]، ذكرت الرجفة، وفي سورة القمر ذكرت الصيحة، ولا تناقض بينهما؛ فالثانية تنتج الأولى، فالانفجار يولد هزة قوية، ولم ينجُ سوى المؤمنين من أتباع صالح؛ ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ [هود: 66]، لقد نجَوْا بإيمانهم من عذاب الدنيا المرعِب، ومن خزي الموقف في الآخرة، وحتى يتبين لنا مدى غضب الله عليهم، فقد ورَد أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما مر بالحجر قاصدًا تبوك قال: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين))، وعندما عجن الصحابة عجينهم من ماء بئر الحجر، أمَرهم عليه الصلاة والسلام ألا يأكلوه، فعلفوه للبهائم، فبعد مئات السنين لا تزال منطقة هؤلاء المغضوب عليهم موبوءة لا تسكن، وقد أشار القُرْآن الكريم إليها مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [النمل: 52]؛ فالبيوت التي نحتوها في الجبال ظلت شاهدًا على قوم ثمود الذين بادوا ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ [الأعراف: 78]، واقعين موتى على أم رؤوسهم، وهذا كانت عاقبة الكفر والعناد وقتل ناقة الله التي جاءت آية باهرة مؤيدة لدعوة صالح، فلا يكون عند قومه شك في صدق دعوته، ومع ذلك عبر صالح عن هذا الموقف بأسى بالغ لما آلوا إليه مفضلين طريق الشيطان على هدى الرحمن؛ ﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف79

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى