مقالات وتقارير

الحلقة التاسعة عشر من رواية أين حبيبي؟

الحلقة التاسعة عشر من رواية أين حبيبي؟
للكاتبة /أماني عطاالله
في المساء التف ثلاثتهم حول طاولة العشاء في انتظار ملك التى واتتهم بعد قليل وهى تحلق كالنجمات في فستانها السماوى الجديد، تطلعت إلى خالد بعيون تتلألأ فرحًا، ضاقت عيناه وهو يرد تحيتها باقتضاب قبل أن يلتفت من جديد إلى سوزان ويتابع حديثه معها
تصنعت ابتسامة وهى تنظر إلى مراد الذى راح يمطرها بسيل من الإطراء والإعجاب لم تسمع منه شيئًا ولا مما تلاه من حديث حتى انتهوا من تناول العشاء
قطع مراد حديثه الذى لا ينتهى مع سوزان وهو يستأذنه في الذهاب مع ملك إلى قاعة الرقص، لم يبال كثيرًا وهو ينصحهما قائلًا :
– حسنًا، ولكن لا تتأخرا.. علينا أن نكون في الباخرة قبل التاسعة صباحًا
ما أظهرته من سعادة وهى تراقص مراد تناقض تمامًا مع ما يعتمل في صدرها من ثورة مكبوتة، شردت أفكارها إليه من جديد.. أين ذهب اهتمامه الذى شعرت به مؤخرًا.. لماذا خبى بريق الأمل الذى اعتراها بهذه السرعة؟
هل ظن أن قسوته التى أبداها نحوها قد أغضبتها..؟!
*****
أعادت ترتيب خزانتها بعد أن وضعت فيها الملابس الجديدة التى اشترتها مع مراد ، ترى ماذا تفعل بملابسها القديمة، هل تضعها في حقيبة وتلقى بها في البحر كما نصحها ، شهقت فجأة في جزع وهى تحدق فى جلبابها الأحمر الذى رقصت به وقد شق من منتصفه في عنف، ومن سواه يفعلها، إنه خالد بلا شك، ولكن لماذا..؟
بدت كالمراهقات وهى ترتدى الجينز وهذا الـ تى شيرت الأبيض القصير، انتعلت حذاءً مريحًا وراحت تتجول فوق سطح الباخرة بلا وعى ولا هدف، لم تشعر بالسعادة التى تمنتها وهى ترتدى ملابسها الجديدة.. يكفيها أن تتطلع لهذا الركن الذى لا يبعد عنها سوى أمتار قليلة حتى يمتلئ قلبها بالتعاسة، هناك جلس خالد يحتضن كفى سوزان بين كفيه وقد تعلقت أنظارهما بالبحر وأمواجه بينما الابتسامة بدت وكأنها نقشت فوق شفاههما نقشًا أبديًا.. كانا معًا في عالم آخر عجزت هى عن العبور إليه
– صباح الخير يا ملك
استدارت في دهشة لترى تلك المرأة التى جلست تبتسم لها حول طاولة صغيرة وفى يدها فنجان من القهوة، إنها تتحدث إليها إذًا، ردت تحيتها في اقتضاب وهمت بالمغادرة ولكن المرأة اتسعت ابتسامتها وأردفت :
– ألست ملك، تلك الغجرية الجميلة ذات الجلباب الأحمر ؟ كنت رائعة بالفعل
هزت رأسها وابتسمت في مرارة، يبدو أن رقصها قد جذب أنظار الجميع إليها عدا الوحيد الذى أرادت أن تجذب انتباهه، كل ما فعله هو توبيخها وتمزيق جلبابها الذى رقصت به
أشارت المرأة إلى مقعد مجاور قائلة :
– اجلسى.. هل تنتظرين أحدًا؟
ارتبكت قليلًا قبل أن تتمالك أعصابها قائلة :
– نعم .. أنتظر مراد
– صديقك الممثل الصاعد، أنا أعرفه.. لقد شاهدت بعض أعماله
مراد ممثل.. ! حاولت أن تبدو طبيعية وهى تخفى الصدمة التى شعرت بها، لماذا لم يخبرها بذلك رغم تقاربهما مؤخرًا، هل هو قريب سوزان بالفعل أم أنها استأجرته خصيصًا ليلعب هذا الدور أمامها..؟ أتراه يمثل الاهتمام بها؟
– أنت أيضًا تعملين بالتمثيل أليس كذلك ؟
حدقت في المرأة ببلاهة.. بماذا تخبرها ؟ تحركت شفتاها في حيرة لتجيب سؤالها ولكن المرأة أردفت بسرعة :
– لماذا لم تخبرينا بهذا منذ البداية، أصدقك القول.. كنا نتعجب كثيرًا من ملابسك السابقة، لكم تساءلنا عن سر ارتدائك لها، لم نتخيل أبدًا أنك تتدربين على بعض المشاهد السينمائية ولكننا أدركنا هذا الأمر بعد رقصتك الأخيرة ووجود مراد معكم
عضت ملك على شفتيها في مزيد من الحيرة والغضب ، هل يجب أن تصحح ما وصلت إليه هذه المرأة الفضولية أم أنه من الحكمة أن تتركها تتخيل ما تريده ؟
تنبهت لصوت المرأة من جديد :
– ملك.. لماذا لا تقولين شيئًا ؟
– أنا استمع إليك
ضحكت المرأة قائلة :
– كدنا نجن ونحن نتابعكم عن بعد، ونحاول تفسير العلاقة العجيبة التى تربط بينكم
– أية علاقة تقصدين ؟
– هذا الشاب الوسيم الذى رافقك أنت منذ بداية الرحلة، والآن يرافق تلك الشقراء ذات اللكنة المميزة.. هل هى مصرية ؟
– نعم، مصرية أمريكية
تهلل وجه المرأة قائلة :
– إنه فيلم عالمى إذًا..!
– أى فيلم ؟
– الفيلم الذى تصورونه الآن، كم أنا في شوق لرؤيته.. ولكن أين معدات التصوير والمخرج و…… وهذه الأشياء التى نراها عند التصوير ؟
– لم نبدأ التصوير بعد، نحن في عطلة .. نتدرب فقط
هزت المرأة رأسها في تفهم قبل أن تعاود الثرثرة قائلة :
– هل تسمتعين نصيحتى يا ملك ؟
نظرت إليها ملك في صبر نافد فتابعت :
– عليك أن تبدأى كبيرة وأن لا تقبلى بالأدوار التافهة كما فعل صديقك، أنت جميلة وصغيرة وموهوبة أيضًا، رقصتك الغجرية أبهرت الجميع
تفحصتها طويلًا وعادت تكمل من جديد :
– عليك أيضاً أن تهتمى بمظهرك أكثر من هذا.. فالمظهر الجيد هو عادة ما يجذب انتباه المخرجين في البداية، الموهبة وحدها لم تعد تكفى هذه الأيام
أشارت إلى سوزان بطرف عينيها قائلة :
– انظرى إلى هذه الشقراء مثلًا، أراهن بأنها تحصد أدوار البطولة الأولى دائمًا رغم كونك الأجمل والأكثر شبابًا، أليست هى بطلة الفيلم الذى تقومون به ؟
ابتسمت ملك في تهكم، ما الدنيا إلا مسرح كبير كما قال يوسف بك وهبى، وسوزان هى البطلة الحقيقية في فيلم الحياة الذى يتشاركون فيه معًا ،.. برغم كل ما تبذله هى من جهد لتنال اهتمامه بلا جدوى.. ما زال دورها ثانويًا مهمشاً .. نعم.. سوزان هى البطلة
– اعذرينى يا ملك.. ولكنها تجيد إبراز نفسها والعناية بجمالها على أكمل وجه، انظرى إلى لون الصبغة في شعرها …
اتسعت عينا ملك دهشة وهى تحملق في شعر سوزان الأشقر.. إنه ليس طبيعيًا إذاً كما كانت تظن.. يا لها من بلهاء ساذجة.. وكيف يمكن لها أن تمتلك لونًا كهذا إن كانت مصرية الأصل كما أخبرها؟ تحولت دهشتها إلى ذهول عندما أردفت المرأة من جديد :
– عدساتها اللاصقة أيضًا اختارتها بـ…….
– عدساتها اللاصقة..!
– نعم، أنا حدثتها عن قرب وتأكدت من هذا.. إنها تضع عدسات لاصقة ولكنها باهظة الثمن بحيث تبدو وكأنها طبيعية وتخدع عديمى الخبرة مثلك
تأملتها ملك في شك.. ولكن الثقة التى تتحدث بها أكدت لها صدق ما تقول، سوزان ليست شقراء إذًا وعيناها ليست ملونة.. ترى هل يعلم خالد بهذا الأمر؟ غمغمت أخيرًا بصوت ما زالت الصدمة تشوبه
– أهنئك على قوة ملاحظتك يا سيدتى
ضحكت المرأة قائلة :
– أنا لم أعرفك بنفسى بعد.. اسمى حنان أحمد.. أنا خبيرة تجميل
همست ملك فى انبهار :
– خبيرة تجميل !
– نعم
هتفت في حماسة مفاجئة :
– حسنًا، ما رأيك في مظهرى ؟
تأملتها المرأة بعين متفحصة وقالت أخيرًا :
– أنت مشروع امرأة رائعة يا ملك
– مشروع..!!
– تنقصك بعض الثقة بالنفس قبل كل شئ، جلستك يجب أن تكون أكثر استقامة، لاحظت أيضًا أنك تقفزين في مشيتك أكثر مما ينبغى.. عليك أن تكونى أكثر هدوءًا واتزانًا، وجهك لا يحتاج إلى مجهود كبير لإبراز قسماته الجميلة، شعرك بلون الذهب ولكن …
مطت شفتيها فى عدم اقتناع وصمتت وكأنها تبحث عن كلمات مناسبة .. فأسرعت ملك تسألها :
– ولكن ماذا ؟
– فلنقل أنه يشبه ملابسك القديمة
– ماذا تعنين ؟
– شعرك في حاجة إلى تسريحة عصرية تظهر تألقه وجماله
تمسكت ملك بضفيرتها بقوة وهتفت مستنكرة :
– هل تقصدين أن أقص ضفيرتى ؟
– لا أنكر أنها جميلة بالفعل، ولكنى ما زلت عند رأيى أنها تمثل عائق أمام طموحاتك، فهى سوف تضعك دائمًا في قالب واحد
– ولكن …
– إن أردت النجاح فلا مفر من التضحية
شردت قليلًا وهى تتأمل ضفيرتها.. ترى هل هذه المرأة محقة وهل يجب عليها خوض هذه المجازفة الكبرى، إن كانت ملابسها الحديثة لم تجذب انتباهه فهل قصها لشعرها هو الحل؟ هل تسريحتها العصرية سوف تجعل منها امرأة أجمل في عينيه ؟
– ملك.. أين ذهبت ؟
– أفكر فيما قلته
– أنا حاليًا في فترة استجمام هربًا من ضغط العمل، ولكننى مستعدة أن أقدم لك هذه الخدمة تعاطفًا مع حالتك
– لا أستطيع أن أتخذ قرارًا.. أنا في حيرة من أمرى
– لو كنت مكانك لانتهزت الفرصة فورًا
أطلقت تنهيدة طويلة، ألا يستحق عشقها له أن تضحى من أجله؟ ولكن ماذا لو لم يلتفت إليها رغم هذا؟ ربما هى في حاجة إلى الاستعانة برأى صديق .. ترى أين اختفى مراد الآن ؟
– وجهك أثار حنينى للعمل.. تعالى معى، سوف أجعل منك نجمة متألقة ولكن عليك أن تتذكرينى فيما بعد.. عندما تنجحين وتصبحين فنانة مشهورة.. سيكون عليك حينها رد المعروف
تبعتها ملك بلا وعى، إن كانت ستفعل ما تطلبه منها في النهاية.. فلا داعى لمزيد من التردد..
حجرة حنان لم تكن تختلف كثيرًا عن حجرتها هى وخالد.. وإن كان بها سرير واحد بدلًا من سريرين لذا فقد كانت أصغر جحمًا.. لعل هذا تقريبًا هو الفارق الوحيد الذى استطاعت ملاحظته.. سألتها ملك وهى تتأمل ما حولها :
– هل أنت هنا بمفردك ؟
– لقد أتيت بصحبة أصدقاء لى .. ولكننى أفضل حجرة مستقلة لا يشاركنى أحد فيها
– هل أنت متزوجة ؟
– أنا مطلقة
شعرت ملك بنوع من الإحباط كادت معه أن تعترض عندما أخرجت حنان عدتها وبدأت تقترب منها.. إن كانت هذه المرأة قد عجزت عن إسعاف حياتها الزوجية والحفاظ على استقرارها فهل يجوز لها أن تستمع إليها وتعمل بنصيحتها؟ حاولت أن تتملص منها دون أن تجرح مشاعرها ولكنها في النهاية لم تجد بدًا من الاستسلام لها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى