مقالات وتقارير

الإعلام و مذبحة نيوزيلاندا

الإعلام و مذبحة نيوزيلاندا
كتب/ خالد عاشور
قد يبدو واضحًا حجم التغطية الإعلامية الهزيلة لمذبحة نيوزيلندا رغم فداحة الكارثة ، وربما تبادر إلى الذهن ماحدث في فرنسا عقب هجوم شارلي إبدو ومدى تحرك العالم وزعماؤه ومنظماته وتضامنهم مع فرنسا ، كذا حجم التغطية الإعلامية الضخمة والتعاطف العالمي في وسائل التواصل الإجتماعي ، رغم قلة عدد الضحايا عن مذبحة نيوزيلندا ، وهذا ببساطة هو الفرق بين تعامُل العالم الغربي ووسائل الإعلام مع المسلمين الذين يصمونهم بالإرهاب والتطرف وبين العالم الغربي المتحضر كما يزعمون ، وقد ظهر ذلك في غياب توصيف ” إرهاب وإرهابي”، حين لا تكون جنسية المنفذ عربية ، وعلى الرغم من صحة ذلك إلا أن المسألة أعمق وأبعد من هذه الملاحظة، وربما يمكننا تلخيص بعض الملاحظات بشكل سريع ومختصر في النقاط التالية:
_ أولاً: حجم التغطية:
– على الرغم من حجم الحدث المهول وطبيعته، من حيث عدد الضحايا وكيفية تنفيذ العملية، بشكل استعراضي مقزز وبدم بارد، إلا أن غالبية وسائل الإعلام الغربية وحتى العربية لم تخصص موجات تغطية مفتوحة أو برامج إخبارية خاصة، مما يمنع هذه العملية بأن تُصبح قضية رأي عام دولي ، وفي الإعلام هنالك فرق كبير بين ” حدث رئيسي”، وبين قضية رأي عام، وقضية رأي عام دولي.
– وحتى في التغطية المكتوبة، هنالك غياب واضح جدًا للتفاصيل، فالمنفذ فجأة وصل مكان العملية وفجأة اختفى ، ولكن كيف وصل؟ من أين انطلق؟ كيف غادر؟ أين ذهب؟ كيف أعد للعملية؟ كم استغرق التخطيط والتنفيذ؟ كل هذه التفاصيل التي غالبًا ” ما تثير شهية” الجمهور المتابع، وتربطه بالحدث وتفرضه على أجندته غائبة ، والذي يحصل في هكذا حالة، أن الفرد منا سرعان ما يتوقف عن المتابعة لأنه يجدها تكرار ودون تفاصيل مثيرة، وهذا يساعد في ” موت الحدث إعلاميًا” في أقصر مدة زمنية ممكنة، ربما خلال 24 ساعة، على عكس الأحداث الأخرى كهجوم ” شارلي ايبدو” الذي استمر كقضية رأي عام لأسابيع.
_ ثانياً: طبيعة التغطية:
– الضحية في الظل: لا يوجد حتى الآن في معظم التغطيات أية قصص إنسانية حول من وقعت بحقهم الجريمة ، من هم الذين قُتلوا؟ ما هي أعمارهم؟ هل بينهم أطفال؟ هل أحدهم اتصل بزوجته قبل العملية بدقائق وقال لها لن أتأخر؟ هل رأينا أية صورة لإحدى الضحايا مع عائلتها أو أطفالها؟ كل هذه التفاصيل الإنسانية التي يبرع الإعلام الغربي برصدها، وينقلها عنه الإعلام العربي عندما تكون جنسية المنفذ عربية، غائبة عن هذا الحدث تمامًا ، وهذا الأسلوب المتمثل في تغييب الجانب الإنساني، يتكامل مع أسلوب ” حجم التغطية” الذي ذكرناه أعلاه، لتكون النتيجة تبسيط الحدث وحصر الإهتمام به في أضيق نطاق وأقصر مدة
– تغطية حدثية دون تحليل، فمعظم التقارير والتغطيات عبارة عن نقل مباشر للحدث، دون محاولة تفسيره ورصد أسبابه وتداعياته ، وهو ما يجعل من هذا الهجوم مجرد ” قاتل وضحية”، بمعزل عن السياق الإجتماعي السياسي، وهو ما يعفي الإعلام من طرح سؤال جوهري: لماذا يقع مثل هذا الحادث؟ من هو المسؤول؟ وما هي تداعيات هذه الجريمة مستقبلاً على من نُفذت بحقهم؟ وهذه نقطة توصلنا الى النقطة التالية
– المنفذ مجرد شخص، على الرغم من أن المنفذ أعلن عن نفسه، وقام ببث الجريمة مباشرة، إلا أن غالبية وسائل الإعلام استخدمت مصطلح ” المنفذ المشتبه به”، إلى جانب أنها لم تربط فعله بجنسيته وأصوله، وهكذا يصبح المنفذ مجرد شخص لا يعبر بالضرورة عن ثقافة مجتمعه ولا عن خطاب كراهية أو عن عنصرية مجتمع؟ بينما في حالة الهجوم على صحيفة ” شارلي ايبدو”، طرح السؤال مباشرة حول طبيعة الثقافة العربية، وتم في التغطية انذاك إقحام مفاهيم جوهرية كالدين والاندماج والتخلف والتربية… إلخ ، وبالتالي لم يكن في هذه الحالة المنفذ مجرد فرد، وإنما هو قد يعبر عن ثقافة وخطاب. ولذلك أيضًا، لم ولن يتم التطرق لعائلة المنفذ أو طفولته أو تربيته، على عكس ما يحصل في حالة أن يكون المنفذ عربي
– الحدث والقِيَم، غالباً يتم تصوير الهجوم الإرهابي الذي ينفذه عربي في دولة غربية، على أنه استهداف لقيم الديمقراطية والحرية ، ولكن عندما يكون المنفذ غربي، لا يكون هنالك تداعيات للحدث على القيم الإنسانية، وهو ما يتكامل مع أسلوب ” التغطية الحدثية دون تحليل” كما ذكرت سابقا ، فهل نحن هُنّا على أنفسنا وعلى العالم لهذه الدرجة ؟ أم أننا أصبحنا غثاء كغثاء السيل تتداعي علينا الأمم ولا تُقيم لنا وزن ؟ رحم الله شهداء مسجدي نيوزيلندا وألهمنا جميعًا الصبر والسلوان و التماسك ، وإذا غابت عدالة الأرض فعين الله لم تنمِ .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى