مقالات وتقارير

لمـاذا نـُحِب كرة القدم

بقلم / محمود درويش

هُنـا في وطننا مصر ، حيث معظـم الشباب ، الا البعض مِنهم ، سمع بالرفاهية ورغدِ العيش في الروايات والأفلام وبعض دول العالم الخارجـِي ولكن لم يعايشها في الواقع .

في طفولتنا لم نفهم الحياة بعد ، وفي شبابنا عندما فهمناها ، أدارت لنا ظهرها ، وأن وصلنا لشيخوختنا وأستقام مسارها ، لن تكون لدينا الطاقة الكافيـة لفعل شئ فيها .

ترعرعنا بلـمة الأهل ، وطيبة إنسان هذا البلد ، وقدر كبيـر من الأحلام المُراد تحقيقها ، منـّا من أكمل تعليمه ومنا من مارس العمل الحر ، ومنا من غادر هذا البلد أملاً في حياة أفضل ، ومنا من بقي يُصارع كحالي وحال أبناء جيلي

مارسنا كرة القدم في صغرنا ، في الساحات الواسعة في القُري والمُدن ، نجري وراء كرة من المطاط سعرها جنيهان في ذلك الوقت ، تُسمي ( كرة كـفَر ) .. ونحن ثلاثين طفلاً ، والمباراة دون قوانين مُتعارف عليها ، سوي في التدخلات العنيفة ، يكتفي الحَكَم (وهُم جميع اللاعبين) بتوبيخك بجملـة (العب زي الناس) ، والمرميين عبارة عن حجرين نحملهم معنا في نهاية المباراة لنأتي بهم غداً لنفس المكان ، وتنتهي المباراة عادة لسببين ، اما غضب مالك الكرة ، وحملها والذهاب لبيته ، او أذان المغرب .. لذا كنا نخشي التعامل العنيف مع مالك الكرة ، ونحنو عليه كـ حنان جمهور الزمالك مع فرجاني ساسي

كنا نعود إلى البيت بعد أذان المغرب ، وشكلك يبدو مثل (الأورك) في فيلم سيد الخواتم ، لتصرف علي نفسك ربع صابونة ، لتعود بشراً يمكن النظر اليه مرة أخري .

في مراهقتنا وشبابنا الأول ، تطـورت أساليب اللعب ، حتى ظهور ميادين (الكرة الخماسية) واللعب علي النجيل الصناعي لمدة ساعتين ، تتخيل فيهما نفسك بيليه ، مع توثيق اللحظات الممتعة مع رفاقك ونشرها علي مواقع التواصل الأجتماعي .

تلك كانت قصة الحب الأولي والمستمرة لكرة القدم لشبابنا ، والتي إستمرت حتي اليوم ، حتي الذين قالو تركناها ، فيهم جزء داخلي يـحّن لها .

تطـوّر الأمر واصبحنا نتابع الفرق العالمية ، ونشجعها بالتوازي مع فرقنا المحلية ..رغم أن اندية المشاهدة وكروت الـ Bein ، لم تكن متوفرة في ذلك الوقت ، لكن المباريات كانت تُبث ارضياً وقت إستخدام (الإريال) .

عشقنا كرة القدم العالمية ، وطريقة لعبها المُمتعة ، وتفاعلنا مع منتخب السامبا المهاري الذي يُشجعه مُعظم المصريين ، ونادراً ما تجد احدًا يكره المنتخب البرازيلي ، وكذلك أناقة الأسبان ، وذكاء كرة هولندا الشاملة ، وثبات الألمان ، والكثير من منتخبات كرة القدم العالمية وأنديتها .. ومـرّ الزمن ولاعبين مضوا ومضتت معهم اعمارنا ، وأخرين جاؤوا ، حتي زمننا هذا ، الذي تطورت فيه وسائل المشاهدة المجانية منها والمدفوع ، وأصبح التشجيع أسلوب حياة وليس مجرد ترفيه .

فيـا عزيزي السائل من غير المتابعين لكرة القدم ..

عندما تجَد شاباً يتابعها بشغف ، وتسأله : لماذا تهتم بالكرة كثيراً ، أنا متأكد أنه يمسك نفسه من شتمك بقوة يُحسد عليها .. فـ هو ان اراد أجابتك ، مُضطر ان يشرح لك بكلام كثير جداً كالذي كتبته حالياً ، فكرة القدم يا هؤلاء ، نحبها كما نحب اشياء كثيـرة في حياتنا ، ولا نملُك امامها شيئاً ، فهي حالة عشق ، والعشق لا تعريف له سوي أن تستمر به .. حتي وان قتلك.

ننسي بها أشياء كثيرة ، وآلام اكثر ، ننسي بها عزيزاً فارقنا ، وأحلامًا تحطمـت ، وحظ عاثر ، وواقع غير مفهوم ، ومستقبل مُبهم ، وحبيبة فارقتنا ، وأخري تزوجت ، وننسي بها مشاكلنا ، واحياناً كثيرة منـا من يستدين ثمن تذكرة لمتابعة فريقه المفضّل .. ومنا من ينسي هموم اسبوع كامل لمجرد تمريرة بوجه قدم (لوكا مودريتش)

فلا تسألو العاشق لما عشق ، ولكن اتركوه لقدره

فنحن مجانين المُستديرة يا هؤلاء .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى